عبد الملك الجويني

142

الشامل في أصول الدين

قلنا : وكذلك كون السواد سوادا حال ، فلا تثبتوا له حالا . فاستبان بما قدمناه أن ذكرناه من اجتماع العلمين في وصف ، لم يتقرر لهم في اجتماع الأخصين ، وهذا لا محيص لهم عنه . وعند تقرره ، اضمحلت عليهم حيلهم ، وتناهى موجودهم . ولم يذكر أحد من أئمتنا هذا الفصل عن هذا التقريب الذي سهله اللّه تعالى في كتابنا . ومما يوضح ما قلناه : أن الخصوص إذا حقق في كون السواد سوادا ، لم يرجع إلا إلى نفي محض ، إذ لو فسرنا اختصاص الوصف بثبوته ، لكان ذلك محالا ، لاشتراك العام والخاص في الثبوت . وإذا فسرنا الخصوص بأنه ثبت للذات المعنية ، وانتفى عن غيرها ، فقد آل الاختصاص إلى انتفاء تلك الصفة عن غير الذات المعنيّة . فإذا ثبت تعلق الاختصاص بالنفي ، بان أنه ليس من قبيل كون العلم علما ، إذ هو وصف ثابت لا خفاء بثبوته على القول بالأحوال . ومما يصدهم عن المصير إلى تعليل التماثل بالأخص ، ما ثبت من أصلهم من منع تعليل الواجب . فإن من أعظم أصولهم أن الواجب من الأحكام لا يعلل ، وإنما يعلل الجائز منها ، ولهذا منعوا أن يكون الباري عالما ، معلل بالعلم من حيث كان واجبا . وخصصوا التعليل بكون الواحد منا عالما ، من حيث كان جائزا . فيقال : تماثل السوادين واجب أم جائز ؟ فإن زعموا أنه واجب ، قيل لهم : فما لكم عللتم الواجب وتركتم أصلكم ؟ ولئن ساغ لكم تعليل الواجب في هذا الموضع ، ساغ لغيركم تعليل الواجب في غيره . وإن زعمتم أن تماثل السوادين جائز ، فيلزمكم أن تجوزوا اختلاف السوادين مرة وتماثلهما أخرى ، كما جاز كون العالم منا عالما ، ولم يجب . فلا جرم لم يلزم ثبوت هذا الوصف ، فتعلم الذات مرة وتجهل أخرى . وهذا ما لا مخلص لهم منه أصلا . وقد ناظرت بعض شيوخ المعتزلة وألزمته ذلك ، فتأجل في الانفصال عنه شهرا ، ثم اعترف بالآخرة بأنه لا بد من إبطال أحد الأصلين : إما أن يبطل منع تعليل الواجب ، وإما أن يبطل تعليل التماثل والاختلاف . ومما تمسك به الأستاذ أبو إسحاق أن قال : الإرادات يجمعها وصف واحد اتفاقا ، ولا تختلف فيه ، وإنما يتحقق اختلافهما بإضافتها إلى متعلقاتها ، فتخالف إرادة الحركة إرادة السكون ، وتستبين المخالفة بينهما باختصاص كل إرادة بمتعلقها . ثم قد تتعلق القدرة بغير ما تعلقت به الإرادة ، ولا يجب من اتحاد تعلقهما تماثلهما . فإن قال الخصم : الإرادة والقدرة ، وإن اتحدا في التعلق ، اختلفا فيما عداه من الأوصاف .